Tuesday, 13 August 2013

قصة هاجس الموت



هاجس الموت

           كان يوما جنونيا لما توفي أحد أقارب ذلك الشّاب الذي يحب الحياة و يعشقها و يأتي بملذاتها ، ويخاف الموت لأنه يعتبره نهاية للذة الحياة ، وسكن منفرد في عجاج الظّلام ، وبعد عن الأصدقاء و الأهل و الرفاق ، و وحدة ما بعدها ضياع ، فكان الموت كلّما خطف أحدهم يفزع و يخاف على نفسه فيخفق قلبه و يبقى في عزلة خائفا على نفسه ، حتى صار خوفه هوسا ما جعل نفسيته تتأذى شيئا فشيئا ، ولمّا سمع أن طبيبا شابا قد وافته المنية دهش و قال كيف لطبيب يحسن الحفاظ على صحته أن يموت و أنّى له ذلك و هو شاب ، فقلق على نفسه و لم يستطع التّخيل أنه سيموت يوما ما ، فأصبح منشغلا بالتّفكير في هذا الأمر كل الوقت حتى نسي نفسه و لم يستمتع بطعم الدنيا و تأزمت حالته النفسية فالعضوية ، حتّى أصبح يكره الحياة لكنه بالكاد يستبعد فكرة تمني المنون ، ومرت الأيام فاكتشف بفعل ارتياده للأطباء وتطلعه للطب الذي يحسبه الشّيء الوحيد القادر على ابعاده عن  الموت أن القلق و التفكير الكثير و الوحدة يجعلون الجسم يفرز الكثير من الخلايا و الهرمونات ثم لايجد ما يصنع بها فتتراكم في الجسم مشكلة ورما خبيثا ، قلّما ينجى منه ، كل هذه المعلومات جعلته يختنق ، فلم يستطع كبت نفسه عن التفكير في الموت ، وعرف أنه هالك لا محالة لأنه يعاني ذات العوارض ، ومرّت الأيام والسّنون ، وكل يوم يأتي أسوء من الآخر ، فأحسّ الشّاب بضعف في جسمه ، و أرق في نومه ، وأيقن أن أجله قد حان و أقنع نفسه بمشروعية الموت التي أبت أن تقتنع .
           وفي أحد الأيام بينما كان يتنزه في الغابة ، كلّما مرّ يضع علامة بالطباشير على شجرة حتىّ لا يضيع ، و عندما تعمّق في عمق الغابة فاجأه قطيع من الذئاب فأخد يجري و يجري ، و لم يجد خلاصة إلّا في تسلّق شجرة وبقي فوقها يترقب غفوة من الذئاب ، و في لحظة انبعاث ضوء الفجر انبعث معه شعاع الأمل في النّجاة فغدا مسرعا للمكان الذي يبعث فيه الطمأنينة ، وفي لحظة شعوره بالأمان ، ومن دون انتباه سقط في حفرة عميقة يستحيل الخروج منها ، و الذي زاد الطين بلة في فكرة سقوط الأمطار الغزيرة المنهمرة فوق رأسه ، ولاشيء يحجب به نفسه ، لكنها بالكاد كانت نعمة عليه جعلته يصعد شيئا فشيئا ،و يتجاوز عمق الحفرة بالطفو و السّباحة إلى أن وصل إلى مخرج الحفرة أين جرفه السّيل إل بحيرة مليئة بالتماسيح الجائعة ، واستطاع أن ينفذ منها بعد عناء طويل ، ولم يجد أمامه من مخرج سوى تسلّق الجبل الذي كان أمامه حتى يخرج من سيول الأمطار ، فتسلقه مسرعا وهو يلهث ، ولحقت به الذئاب و الضباع ، وكانت النسور فوقه ترتجي لقمة لصغارها ، و لمّا وصل إلى قمة الجبل تفاجأ بفوهة بركان ، ووجد نفسه على حافته ، ونظر خلفه فرأى الضّباع ، ورفع رأسه إلى أعلى فأبصر النسور ، وانكس رأسه فألفى التّماسيح ، هنا وجد نفسه محاصرا من كل جهة وعرف أنّه هالك لا محالة ، فضاق صدره وخضعت نفسه ، و قال في قرارة روحه كيف ينجيني الله من هذّا ، لا محالة الموت قريب ، وبينما هو كذلك تائه حائر ، تقدمت له الحيونات الكاسرة فرجع إلى الوراء و التراب ينزلق للبركان ، حتّى سقط فيه وعندما لمس جسده الحمم وجد نفسه في الأرض قد سقط من سريره ، و في تلك اللّحظة تعرّق جبينه وقال أوّل كلمة  بعد استيقاضه من النوم  " أنبت إلى الله الرحيم "  ، ثمّ أمر على حكيم المدينة أن يأتي ليهدئه بكلمات وداع أخيرة ، ويبصّره في أمور الكون وتدابيره ، ولمّا طرق هذا النبأ بابه ، استبشر خيرا بصحوة ضمير هذا الشّاب ، وذهب إليه مسرعا علّه ينفعه و يسير به إلى نهج الشّريعة ، ولمّا وصل عنده ألفاه هادئا منصتا على غير عادته، مستهلا كلامه بأسئلته الدائمة منتظرا ردّا وافيا من الشّيخ الذي أجابه وقال له : يابني نحن ضيوف في هذه الدنيا و لا تفقه منها شيئا،لقد خلقنا و خلق الكون  وكل شيئ إله واحد صمم الأشياء ونظّمها فأحسن إبداعها ، وما نحن إلا أشكال ضعيفة صمّمها هذا العظيم ، وكرّمها بالعقل ، وسنّ علينا قوانين ننتهجها في الحياة ، ومجموعة اختبارات ليعرف من أحسننا عملا ، ويعذّب المخالفين ، فهو الذي يهبنا الأعمار و يأخد روحنا متى يشاء ، ولا أحد يخلد غيره ، فبكى الفتى متأثرا و قال : سامحني أثابك الله لقد كنت لا أسمع لك حديثا ، و لا أعي لك وعظا ، وكنت أتحاشى لقياك ، لأنك كنت تجنّبني ملذات الدنيا  التي كانت تستهويني إلى حدّ ما ، فرد عليه : إن أكبر لذة يعيشها الإنسان هي حلاوة الإيمان ، لأن بها تستقر الحياة و يصلح الحال ، أما ملذات الدنيا المحرمة فهي لا تلبث وتزول ، فإن لم تكن خاتمتها التوبة ، فأكيد أنها الضّياع و الهلاك .
فرد الفتى : ياليتني عشت هذه الحياة و استمتعت فيها حقا ، لقد كنت خائفا دائما من مصير الموت الذي أمقته ، والذي تمنيت لو لم يكن أصلا ، المهم الآن لا جدوى من قول ذلك ، ها قد حان أجلي ، ورضيت بحالي ، وإنّي سأغادر هذه الدنيا كرها ، فقال له الشيخ : أصارحك قولا ، لست مثل الشباب اللاهي ، فهو لا يفكر في الموت ، ولا يتدبّر في الكون مثلك ، فأنت حتى وإن عشقت الدنيا فهي لم تنسك الموت ، ولم تغمض عينيك عن إعجاز الخالق ، فشكره الشّاب واستودعه وبقي ينتظر مصيره وهو يقول و العبرات تغزو مقلتيه : آمنت برب الكون ، ياعظيم الدنيا ، اغفر لي فقد كنت غافلا ، ولم يحس على نفسه حتى غطّ في نوم عميق كونه لم يذق طعم النّوم  منذ شهور ، ولمّا نهض أحس بنشاط ، فذهب عند الطبيب حتى يكشف عليه ويرى كم بقي من حياته ، فأخبره بأنه يعاني من هزال شديد لكنه سليم و لا يعاني من داء خبيث ، فرح الفتى قائلا : سبحان الذي يحيي ويميت ، الحمد لك يارب على منحي الحياة من جديد بعد قنوط ، ثمّ ذهب مسرعا عند الشيخ وطلب منه أن يرشده ويعلّمه تعاليم الدين الحنيف ، ثم راح يعوّد نفسه على العبادة ، لكنه لا يلبث حتى يرى نفسه يتخبّط في المعصية التي ألفها وصار تنصّله منها أمرا صعبا ، فأخذ يعبد الله ولو بالقليل ويجاهد نفسه على ترك المعصية ، لكن إيمانه لم يكن قويا ، وخاف على مصيره المجهول إذا ما لقيه الموت ، فرجع إلى الشيخ علّه يلتمس عنده حلا فقال له الشيخ : أترك مجالس اللهو و التفكير في الدنيا و كل ما من شأنه أن يبعدك عن الدين ، و بالمقابل احرص على الذهاب إلى المسجد وارتياد مجالس العلم والفقه، و صاحب من إذا رأيته ساد في قلبك الحنان و فكّرك بالتقوى و الإيمان ، واستمع إلى كلام الله عز و جل و تدبّر فيه ، واذكر في نفسك أن الموت حق ، وعليك تحضير الزاد للقائه ، واعلم أن الله يراك و يسمعك ، فإن عزمت على فعل معصية فاستح منه ، واخشى من بطشه الشديد ، واعلم أنه الوحيد الذي يعلم ما في الصدور فاشكوا له همّك ، وادعوه أن يغفر لك و يسدّد خطاياك ، فإن أبت نفسك فتذكر أن مآلك إليه لا محالة ، ولا مفر من عذابه ، فخد بكلماتي وجرّب العيش في كنف الإيمان ، و سترى أن نفسك سترتاح وتطمئن ، فرح الفتى من كلامه و قال له : أحبك الله ياأخي كيف أجزيك على كلامك الذي يشرح الصدور فأجابه : فقط كن زاهدا في الدنيا و ادعوا لي الله معك ، فرد عليه : يارب اجمعني وإياه في رياض جنانك ، وقنا عذاب النّار ، ثم توجّه إلى منبر العبادة وهو يقول : الحمد لله الذي هداني إلى ما فطر عليه عباده ، اللهم اغفر لي ذنوبي ، وتجاوز عن خطاياي ووفقني لما تحبه وترضاه .
           هكذا سلك الفتى منعرجا آخر في حياته أفضل و أوفى من ذي قبل ، فكان كلّما راودته نفسه على عصيان الجبار يتذكر الموت والآخرة فيبادر بعمل الخير والتعبد إلى الله ، وقد كان يحس بنشوة و طمأنينة إذا ما قام بشيء ابتغاء مرضاته ، هذا ماحفّزه على الإكثار من الإحسان ، وعرف الإطمئنان إلى قلبه طريقا ، فاستقرت حياته وأصبح زاهدا ، وأدرك أن الاسلام دين يسر لا عسر كما كان يظن ، حتى و إن كان الزمان والمكان لا ينمّان عنه ، ويحثّان على الإستمتاع بشهوات الدنيا المحظورة ، لكنه مازال يخشى الموت لكن ليس كذي قبل ، فقط لأنه مؤمن و يخاف عذاب الله ، لأن الإنسان مهما كان مستقيما يقع في الأخطاء ، و الكمال لله .
تناول هذا الناسك مذكرته وراح يدوّن فيها : تعلّمت أن من يعشق الدنيا و ملذاتها ، يظل يلهث وراء هذه الأخيرة ويجاهد نفسه في البحث عنها ، لكنه لا يقنع ولا يشبع ، فينغرس أكثر في الفتن ، ويجد نفسه ضائعا ينساق وراء هوى نفسه دون هدف يرسم أو مستقبل يذكر فلا يرتاح في حياته ، ولا يبلغ أمانيه المنشودة ، أمّا الذي يتعفّف عن شهوات الدنيا ، تأتيه طوعا، فيرتاح في حياته و يرسم مستقبله ، وكما قيل إن تلذّذت بالإثم فإن اللذة تزول والإثم يبقى ، وإن تعذّبت بالخير فإن العذاب يزول و الخير و الأجر يبقيان .

No comments:

Post a Comment